ملتقى الفنانين و النقاد العرب

ثقافة الصورة و بهاء الكلمة
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 مهدي البناي ... يعجن طين التراث برحيق الحداثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الدكتور ياسر منجي

avatar

عدد الرسائل : 6
العمر : 45
Localisation : Egypt
Emploi : Lecturer
Loisirs : Artist
تاريخ التسجيل : 05/08/2007

مُساهمةموضوع: مهدي البناي ... يعجن طين التراث برحيق الحداثة   الأربعاء أغسطس 08, 2007 12:29 am

غضون الزمن و بوارق الإبداع في ( منحوتات ) " البناي " الخزفية :

إشكالية استرفاد التراث و استمداده من الإشكاليات التي ما برحت تلقي بظلها الثقيل على المشهد الفني العربي حتى وقتنا الراهن . و هي الإشكالية التي تمثل أحيانا عقبة كأداء في المسار الإبداعي لفنانينا ممن يحملون – شاءوا أم أبوا – إرثا و تراثا يضربان في غضون الزمن إلى ما لا تدركه ذاكرة .

و في الوقت الذي يلح فيه الخطاب الفني الغربي على ضرورة الانعتاق و القطيعة مع ما هو تراث ، يأبى الضمير الفني العربي إلا أن ينحني احتراما أمام ذخائر الأجداد ، متلمسا دربه في هداية تعاليمهم و مهموما دوما باستلهام صياغاته المعاصرة راسما إياها على خرائط الرواد الأقدمين .

و قد أسفرت هذه الإشكالية عن مصفاة و مفرزة تلقائية عزلت فصيلين مختلفين من الفنانين العرب أحدهما عن الآخر بشكل يكاد يوفر على المتلقي عناء المقارنة و النقد ؛ فأحد هذين الفصيلين قد وقع – إما بحكم ضعف المستوى أو بحكم الانسحاق التام أمام سطوة التراث – تحت طائلة التكرار الممل للتيمات المقدسة و المكررة لمفردات بصرية و موضوعات فنية بعينها ، فإذا به لا يكاد يأتي بجديد مغاير لما سبق و أن ابتدعه الأوائل ، بل إن منهم من أخذه الإسفاف إلى وهدة مستو لا يخرج كثيرا عن إطار تقديم صورة سياحية ساذجة لا ترقى كثيرا عن مثيلاتها من مشغولات البازارات التقليدية .

وعلى الجانب الآخر اتجه الفصيل المضاد إلى استشراف المستحدثات الغربية التي أصبحت تهل علينا بإيقاع متسارع مخيف لا نكاد نستطيع معه أن نمارس ترف التأمل و الفهم المتروي لمجريات الفلسفة البصرية للصرعات الحديثة .

و قد تكبد مبدعو هذا الفصيل الأخير عناء مضنيا و متواصلا في سبيل الوصول إلى صياغات توفيقية تتكئ على التراثي طامحة من جانب آخر إلى عقد مصاهرة بين هذا الاتكاء التراثي و بين التوق الغربي الدائم للتحليق في فضاءات لم ترد على خاطرة من قبل . و برغم ذلك لا نستطيع أن نضع أفراد هذا الفصيل في صف واحد مساوين بينهم من حيث القيمة ؛ حيث إن قليلا من تقييم منصف سيوضح مدى تفاوت المستويات تبعا لقدرة كل منهم على مواصلة السير بحذر على الخط الفاصل بين الانزلاق إلى إعلاء التراثي على حساب المعاصر أو القطيعة مع جذر التراث لصالح الارتماء في غواية المعاصر ماسخا ملامحه التراثية .

و تأسيسا على هذا الفهم تتجلى قيمة الفنان البحريني " مهدي البناي " ، ذلك المبدع الذي تطفر بوارق إبداعه المعاصرة من غضون الزمن العربي بحضاراته القديمة ، مسفرة عن أعمال عصية على التصنيف التقليدي ، برغم إحساسي الشخصي بها كمنحوتات خزفية / خزفيات نحتية ، تحيل البصر دوما إلى مغامرة التنقل البندولي بين ما هو عناق لثراء السطح الخزفي و بين ما هو عناق لتجلي الكتلة النحتية في الفراغ .

فبزوغ الذاكرة التراثية بقوة في أعماله التي تعالج الحلم الفني بكتلة مؤنسنة محاطة بهالة نورانية من الطين النضيج تستحضر نماذج تماثيل " العشتارات " في الحضارات القديمة التي

شكل رقم 1



افترشت منطقة الهلال الخصيب ؛ إلا أن " مهدي " يكسوها قشيب حلة معاصرة تكاد تسلكها في عداد التجارب على تجريد الشكل ، فضلا عن لجوءه الذكي إلى إحداث التضاد بين نعومة و لونية سطح الشكل ( العشتاري ) و بين خشونة و حياد الشكل الدائري المحيط و هي معالجة مختلفة تماما – مما يفصح عن خصوبة في المخيلة – عما اعتمده من بناء صرحي سامق يحوط الحضور العشتاري بواجهة برتقالية حائطية مزدانة بمربعات أشبه ما تكون بطلاسم لا يعي سرها سوى صائغها " مهدي ".

2- مفردة للجسد و تجليات متعددة :

و تمثل تيمة الشكل بوصفها جسدا حضورا قويا في أعمال " البناي " ؛ إلا على الرغم من كونها مفردة شكلية أحادية قد تفجرت أمامها آفاق لتجليات عدة ، استمدها " مهدي " من مخيلته الخصبة التي لا تني تسعفه دائما بصياغات متنوعة لقالب شكلي عادة ما يقع آخرون تحت سطوة تكرار جانب واحد منه ؛ فحضور الشكل ككيان بشري معذب لجسد يستغيث مستسلما بذراعين قانطتين و غائصا حتى الصدر في وهدة يائسة و مفتقرا إلى أي نغمة لونية يتناقض تماما مع الهمس الخفيض الذي ينشده عمله ( طيور و امرأة ) ، حيث تبدى الحضور الجسدي النسوي أقرب إلى التجريد المحتجب في ظل نخوة عربية تنأى عن السماح باستباحة مفاتن الغيد الحرائر ، إلا أنه برغم ذلك يأبى إلا أن يبث في عروق رجولتنا تحنانا يستفزه ميل الجذع الأنثوي و الإيماءة الدلالية للحمائم كطيور مجسدة لغوايات " سميراميس ". هذا في الوقت الذي يبزغ فيه الشكل الجسداني الصرف لكائن هو أقرب إلى مخلوق أسطوري يستعيد حكاوى الأجداد المغامرين عن وحوش البحر في أسفار الصيد البحريني التراثية ، مؤكدا حضوره المائي بالألوان السوداء الضاربة للخضرة التي أفاض عليه " مهدي " بها ذكريات طحلبية.

3- التفاحة ... حين لا يطغى النص على رونق الشكل :

و يؤكد " البناي " تمكنه كفنان واع بمقتضيات الفكرة النصية للعمل ، و متطلباتها الشكلية الموازية و الحاملة لرحيق المعنى ، و ذلك حين يطالعنا بفكرته الجدارية ذات البلاطات الخزفية الأربع و الحاكية لفلسفة استمداد الوجود البشري لبقائه من الغذاء ؛ ففضلا عن ذكاء اختياره لفكرة التتابع في صف البلاطات التي تحكي كل منها جانبا من دراما الوجود الجسدي للبشر ، نجده لا يسرف في استعراض قدراته اللونية التي اشتهر بها ، و كأنما ليؤكد باختياره للون الأصفر فكرة بزوغ الكل من تراب و من ثم عودة الكل إلى ذات التراب . كما أن تعليقه للتفاحة في مقابل البلاطات تحريض للمتلقي على أن يحيل ذهنه إلى احتمال التفاعل بين مصدر الغذاء و بين خلايا الجسد ( أم هل هي شقوق الأرض العطشى ؟ ) و أيضا إلى إمكانية انتفاء هذا التفاعل كاحتمال وارد . و يبقى سؤال فلسفي يصح أن يشرق الوعي عليه : هل يمكن أن تكون تفاحة " مهدي البناي " في عمله هذا استعادة لتفاحة الغواية التي أقصت الوجود البشري عن فردوسه المفقود ؟!!.

4- منحوتات الخزف ... بين عبقرية اللون و تنوع الطراز :

و إذا به يمعن في المفاجأة ، حين يقرع وعينا البصري بمجموعاته من النحت الخزفي / الخزف النحتي ، لشخوص صغيرة الحجم تتطلع إلى الإفصاح عن مكنونات شخصياتها عن طريق وضعات جسدية و إيماءات يحسده عليها أبرع النحاتين ، و اختيارات لألوان عصرية حقا تفصح عن فهم لطبيعة مقتضيات السطح للتعبير عن تنوع صبغات الأقمشة المعاصرة التي دعمت من حركات التأود و الدلال في جسد الشابة في مقابل الوضعة الرومانسية لفتاة الحمائم المعاصرة و التي تخلت عن الخفر التقليدي لنظيرتها العربية التقليدية في . غير أنه لم ينس في المقابل أن يواصل تحنانه لتراثه و ذلك حين خصص جانبا من هذه المنحوتات لاستعادة مشاهد حامل المياه البحريني و السيدة البحرينية في حوارها الحركي مع أواني الماء ، مفرغا فيهما الحد الأقصى من التناسب بين المعنى و بين الحركة الجسدية في حوار الأطراف مع الأدوات .

5- رحيق المعاصرة في امتزاج الفنون... الخزف في بنية العمل المركب :

إن المقدرة الفذة التي أظهرها " مهدي البناي " في عمله الذي يتكئ فيه على ملحمة الغواصين البحرينيين ، و نجاحه في بعث التراث في قالب شديد المعاصرة ، و تنويعه بين الخامات لمقتضى الفكرة ، يدفعني إلى اعتبار هذا العمل من ضمن أهم أعماله على الإطلاق ، كما لا أتجاوز إن قلت أنه يعتبر من ضمن الأعمال العالمية التي نجحت في اقتناص قبس من إبداع حقيقي . فالعمل يجسد حياة الغوص التقليدية من خلال شخوص ثلاثة ، هم : الغواص و النهام ( حادي البحر ؟ منشد السفينة ) و السيب ( ابن الغواص ) ؛ حيث يسجل " مهدي " أول أهدافه عن طريق اختيار عبقري للون أسود موشى بدرجات من بقع نارية و بنفسجية و بيضاء تعكس مظهر أملاح البحر مما يوقع المشاهد تحت سطوة ضجر حقيقي يشارك فيه هؤلاء الغواصين صبرهم و حربهم للملل في رحلات كانت تتجاوز الشهور . ثم إذا به يسجل هدفا ثانيا في اختياره لأكثر الأوضاع تعبيرا عن مكنون كل شخصية ؛ فها هو السيب يطرق إطراقة المغلوب على أمره ، و ها هو النهام يشدونا إحدى أهازيجه ، ثم ها هي الوضعة العبقرية للغواص الذي لا نعرفه دون أن نرى سوى ساقين تغوصان في بحر لجي زجاجي يحوي رفات مراكب أكلتها البحار العربية العاتية ؛ و هي ذروة العمل من حيث تضمينه لفلسفة العمل المركب في المنحوتات الخزفية بوسائط بيئية و طبيعية عملت على إذابة الفوارق بين التصنيفات التقليدية لأفرع الفن التشكيلي المختلفة.

فهنيئا لمهدي البناي بأعماله التي تعكس ارتكازا أصيلا على تراث شامخ يحدوه تحليق دائم نحو آفاق معاصرة ... لم لا ؟ و هو يعجن طين التراث برحيق الحداثة .

د. ياسر منجي

مدرس بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة .

ناقد فني و أدبي / قاص و روائي

عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب

Lucifer_yass@yahoo.com

http://altculture.blogspot.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مهدي البناي ... يعجن طين التراث برحيق الحداثة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الفنانين و النقاد العرب :: منتدى الخزف-
انتقل الى: