ملتقى الفنانين و النقاد العرب

ثقافة الصورة و بهاء الكلمة
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 ( 4 ) كازيمير ماليفيتش .. أبيضٌ على الأبيض

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أماني علي فهمي
مشرف منتدى التصوير


عدد الرسائل : 20
العمر : 50
Localisation : egypt
Emploi : artist
تاريخ التسجيل : 23/02/2008

مُساهمةموضوع: ( 4 ) كازيمير ماليفيتش .. أبيضٌ على الأبيض   الثلاثاء مارس 18, 2008 3:59 am

( 4 )

” تخيلاتي بالنسبة للون لم تعد ملونة.. إنها آخذة فى الإنسحاب نحو لون واحد … الأبيض… “…… ماليفيتش
………
هل كان فكر ماليفيتش فى تلك الآونة حين هم بتجربته البيضاء المطلقة ، هل كان فكراً من أجل الهدم كما إفترض الفيلسوف ” ألان باديو 1937 Alain Badiou ” فى كتابه ” القرن ” Le siècle عام 2005 ؟ ، هل كان هدماً لواقع لايمكن التخلص منه إلا عن طريق تمويهه فى زخم من عدمية الأبيض ؟.. هدم لواقع كنهه الشكل واللون ، هو فى حقيقته واقع مصغر من واقع أكبر هو القرن العشرون بكل ما حمله من معان مضادة للفطرة الإنسانية ؟ .. كان هذا هو رأي ذلك الفيلسوف الفرنسي المغربي الأصل فى كتابه الذى تناول فيه بانوراما لواقع القرن العشرين كقرنٍ دامٍ ، شكّلت الإبادات الكبرى عنوان رئيسي له .. وبالتالي كانت فنونه فى أغلبها ساخطة محرّضة على الرفض والتغيير ، وإذا عدنا لسنوات ماليفيتش ، لوجدنا حالة من الإنتقال هدماً ثم تجدداً والعكس بالعكس ، مع دخول روسيا في الحرب العالمية الأولى ، وبعد قلب النظام القيصري في ثورة فبراير 1917 حيث نشطت الحياة السياسية .. كانت بالفعل مرحلة تحولية قلقة تلك التى عمّت أوربا بأسرها إبان السوبرماتيزم التى أصبحت حينذاك أمراً حتمياً على حد تعبير ماليفيتش ، حيث الإتجاه كان يتعاظم بإضطراد نحو رفض القوالب المحددة الموروثة كأسس للفن أو حتى كإسلوب حياة .. لذلك نشطت فى تلك الفترة الحركات الطليعية الروسية Russian avant-garde سواء كانت تشكيلاً ، موسيقى ، مسرحاً أو شعراً.. وإذا قارنا لغة الشكل فى تلك الفترة بلغة الشعر ، سوف نخلص إلى نتيجة متشابهة إلى حد بعيد ، فلقد تعاظم الرفض لما عُرف ( بالموضوع ) فى كل من المجالين ، فإتجه التشكيليون إلى إلغاء التقيد بالشكل ، كما إتجه الشعراء إلى إلغاء التقيد باللغة.. وبدا التشابه واضحاً حين إستقلت الكلمات عن حدود صياغاتها ، منفردة بذاتها بعيداً عن الشائع والمستساغ ، ومثلها كانت اللوحة الفنية أيضا محررة ومتحدية لكل الصيغ الشكلية المتأصلة فى العالم الإعتيادي ، مشتقة من العناصر الأصلية في البنية الأولية لكل شئ.
كان ماليفيتش على صلة دائمة بتجمعات الشعراء الطليعيين الجدد فى روسيا ، وهم بدورهم كانوا شغوفين بفكره التقدمي ، يتحركون فى كثير من الأحيان من خلال لوحاته ويرصدون بكلماتهم إسلوب بحثه الدقيق فى خلق علاقات تبادلية بين دقائق الأشكال وفراغاتها وتنوعاتها ، وكأنهم وجدوا عنده ترجمة مرئية قد تكمل مالا يمكن إيجاده واقعاً بالكلمات ، تضمنت أعماله سمات الإيجاز والتوتر والمجازفة وهي سمات الشعر حينذاك ولاسيما النثر الفرنسي الذي أثّر في النثرالروسي حيث إختزال المضمون على شدة وطأته في بضعة مفردات مكثفة .
ظلت الكلمات الشعرية آخذة فى التضاءل حتى أن كثير من الشعراء الروس المستقبليين كانوا يتطلعون إلى بلوغ شعر اللاشئ ( حد الصفر) وهو الهدف ذاته الذي سعى اليه المصورون وتحقق في المربع الأسود وسلسلة الأبيض لماليفيتش ، كما تحقق فى مجموعة قصائد ” الموت للفن ” death to artعام 1913 للشاعر الروسي المستقبلي ” فاسيليسك جنيدوف ” (1890 – 1978) Vasillisk Gnedov ، وهي عبارة عن كتيب صغير حوى شكلاً جديداً للغة والتعبير بالإشارات الصامتة على المسرح ، مع إنكار كلي للشيئية تقرباً إلى مستوى الصفر خاصة فى قصيدته التى أنهى بها المجموعة وكانت بعنوان ” شعر النهاية ” poem of the end ، وبعدها بمدة وجيزة نُفي جنيدوف عن الحياة العامة ومُنعت قصائده من النشر، ويُعتقد ان تلك القصائد قد رسمت نوذجاً للمناخ الثقافي قبيل ثورة 1917 بقليل .

بالنسبة لماليفيتش ، العودة الى الصفر لم تعنى علاقة إنكارية بقدر ماهي عودة الى تواضع الأصول ، أي الأصول البسيطة حيث التحرر من زحام التراكمات الدخيلة ، وللسبب ذاته أيضا استمدت أشكال السوبرماتية وجودها من المربع ، ومن هنا كان المربع يلخّص جمالية السوبرماتيزم .. حيث لا مدلول محدد ، إنما يدل على ذاته ووجوده فحسب … و يقال أن ماليفيتش قد توصّل مع سلسلة من الأعمال كانت شديدة الراديكالية سُميت بسلسلة ( الأبيض ) ، توصّل إلى نهاية الطريق في الفن اللاموضوعي ، حيث أنها قدمت أبسط أشكال الإيجاز والإختزال في الشكل واللون ، ومع أنها لاقت إستنكاراً كبيراً في الأوساط الفنية الروسية حينذاك إلى درجة تشبيهها بـ the dead end .. إلا أنها أوجدت فيما بعد أجيالاً سارت على الفلسفة ذاتها ، خاصة تلك الإتجاهات الأمريكية والأوربية التي ظهرت في الستينات والسبعينات من القرن العشرين وعرفت بـ المنيمال آرت Minimal art أو الفن الإيجازي.


منذ أن ظهرت اللوحة الشهيرة ( أبيض على أبيض ) لماليفتش عام 1918 تسللت بغرابتها وبساطتها المتناهية داخل الحيز الوجدانى والفكري لكل من شاهدها ، حتى ولو كان على غير دراية بأمور الفن ورحلاته الغيبية البعيدة .. قد يستنكرها.. قد تثير فضوله أو تستفذ ذائقته.. ولكن لن يختلف أحد على أنها تحرّض على التأمل.. ربما لهذا السبب الأخير حاذت على مكانتها.. فالبوذيون قد يبصرون فيها حالة ملائمة لفكرة السلام النفسي والتصالح مع الذات ، الصوفيون قد يرون فيها روحانية واقتراب من عقيدة الوحدانية ، بينما الوجوديون قد يبلورون على أرضيتها الفلسفية ثنائية العدمية وبلوغ المنتهى ، والعبثيون سيجدونها برهان على السلبية والتلاشي واللاقيمة .. أما ماليفيتش فقد إعتبرها بحثه التأملي ليستدل على معنى الإنسجام فى جوهر الحركة الإنسانية ، حالة مثالية للإدراك وكعلامة لقدوم الجمال الكامل فيما بعد الصفر .. ويقول :

“.. مجال اللون يجب أن يتبدد ، حيث يجب أن يحوّل ذاته إلي الأبيض ، النمو في الأبيض يشير إلي تحولي الذاتي في الزمنتخيلاتي بالنسبة للون لم تعد ملونة.. إنها آخذة فى الإنسحاب نحو لون واحد .. الأبيض…”

عاد ماليفيتش في ( أبيض علي أبيض ) إلي جدلية المربع داخل المربع كما رأيناها في المربع الأسود من قبل ، مع الفارق الكبير من حيث التضاد الكامل ودرجة التطابق لوناً أو إتجاهاً .. إنها حالة من طفو مربع أبيض فوق حقل أبيض ، ولكن تلك المرة طفو من نفس جنس اللون .. وكما جاء مربعه من قبل أسوداً فوق عمق أبيض ، جاء تلك المرة أبيضاً فوق عمق أبيض ، فى المرة الأولى كان الأسود كي تختفي الإختلافات الفردية حتى تُبتلع كل الألوان - على حد تعبير ماليفيتش- وفى المرة الثانية كان الأبيض كي يتحول مجال اللون ويبدد ذاته الى الأبيض حيث اللاشيئية ، وبين المربعين الأسود والأبيض تكمن الثنائية اللالونية (الأبيض والأسود) التى آمن ماليفتش بقوتها على مدى رحلته فى السوبرماتيزم .
بُنيت هذه اللوحة في أكثر الأشكال نقاءاً علي فروقات دقيقة في الشكل واللون وملمس السطح ، وعلى الرغم من مظهرها الصارم ذو البعدين المبني على قيم النسبة والتناسب إلا أنها وكما كل أعمال ماليفيتش غير مكتملة السيميترية ، أضلاع المربع غير مكتملة الإستقامة ، تظهر فيها لمسة وحركة يد الفنان ، وبالرغم من التأكيد علي الأشكال الهندسية الخالصة واتجاهاتها ، فان هذه اللوحة بعيدة عن كونها مجرد لوحة تحليلية مبسطة ، إنها تحوي أبعاداً إحساسية ، حيث الأشكال الكاملة والألوان البيضاء تسطع بإشعاع مثالي فكري وروحي حيث أن السوبرماتية فى تصور ماليفيتش هي حيز أو نطاق أكثر اتساعاً من الجماليات الخالصة للتشكيل ، لقد تخيلها علي أنها تعبير آخر للنظام الفلسفي ، وكتب في ذلك : ” النظام صعب … بارد ومتجهم ” ، والنظام الذي يراه ، هو نسق يناظر تطور نشأة الروح الإنسانية ، ويقول : ” إن الإنسان عبارة عن كائن عضوي مكوّن من الطاقة ، جزء صغير يكافح ليشكّل وحدة مركزية واحدة ، أما الباقي كله فيمكننا تجاهله وإغفاله بسهولة .. إن إدراكنا ينمّي دلالات جديدة للتغلب علي الأزل .. وربما تكون السوبرماتية في ختامها ستقودنا نحو نظام جديد أو طرق جديدة خلف الخليط غير المنتظم من العناصر ، من أجل قوة حركية ذات طاقة خالصة “… إنتهى كلام ماليفيتش !
.
يظهر في تكوين لوحة ” أبيض علي أبيض ” رغبة فى تصوير إندفاعاً قطرياً متجه إلى أعلى مع الإيحاء بفقدان الوزن ، وبالرغم من التقارب الشديد في الدرجة اللونية والتطابق الشكلي بين المربعين ، إلا أن اللوحة تعكس إحساساً بالديناميكية والفضاء اللامحدود ، يندفع المربع الأصغر المائل ناحية قمة الحافة اليمني بانحراف متزن ، لا يوجد تميّز في الشكل بين هذين العنصرين المرئيين ، مجرد اختلاف طفيف في لونهما وملمسهما وحجمهما ، وقد تكون أكثر الأشياء الجاذبة للإهتمام في هذا التكوين تلك التوترات البصرية المتولدة نتيجة إقتراب خطوط الشكل الهندسي الأبيض من حدود المسطح التصويري أى المربع الأكبر .. تلك الزوايا التي تصنعها جوانب المربع الداخلي للنطاق المحيط للمربع الخارجي ( مساحة اللوحة ) حيث أن العقل يدرك رغبة - ولكنها غير محققة - لذلك المربع في أن تصل زواياه إلي حدود الصورة لكنها تظل معلقة .. ولا تصل.
في عملين آخرين يكمل ماليفيتش سباحة داخل مدارات الوسطية بين الموجود واللاموجود .. ففى لوحتيه ” تصوير سوبرماتي 1، 2″ يراوده هاجس الإدراك مع التشكك فيما تقدمه الظواهر غير المرئية مثل الطاقة الاليكترونية ، الجاذبية ، الصوت ، والفضاء الكوني … في لوحته ” تصوير سوبرماتى 1 ” إعتمد علي خطة شكلية أغلب الظن أنها شكل بياني أو تخطيط للموجات الكهرومغناطيسية أو الموجات الصوتية التي تبعث وتشع في الاتجاه الخارج إلي الفضاء ، إنه يسجل لحظة تخليقها ، حيث أن الحواف الأمامية للموجات المستعرضة والعمودية علي المحور تتحرك في تدفق من الإتجاه الأسفل يميناً ، وترتفع إلي اليسار ، ويدل تلاشي الحدود في الحواف السفلية للأقواس على تقدمها المتزايد نحو الإنحلال في الفضاء حتى تصل إلي النقطة التي عندها تصبح الطاقة مندمجة ومتوحدة معه حد الإختفاء .
أما لوحة ” تصوير سوبرماتى 2 ” فهي تقدم شكلاً متميزاً ، شديد الإيجاز في اللون ، أساسه قائم على فروقات طفيفة من الظلال البيضاء ، مع تغير دقيق في الملامس .. الشكل الأبيض المرسوم علي الخلفية البيضاء ، يمثل هيئة شبحية محرّفة هندسياً لإنسان مندمج مع فضاء أبيض لا محدود .. في هذه اللوحة يتصور ماليفيتش الشكل الآدمي على هيئة مسطحة خطوطها مستقيمة يتولد منها مستطيل مائل إلي الحافة اليمني من حدود اللوحة ، ولهذا الآدمي ذراعان إختُزلا إلي خطين أبيضين بسيطين .. الحدود اليسرى للشكل مختفية بحيث يبدو ذلك الآدمي الشبحي غير المتجسد وكأنه يتحرك كلياً وبثبات إلي الأمام جهة الفضاء الأبيض حتى يندمج معه ليصيرا مكون واحد يتجاذب معه سلبية الشكل وإيجابيته .. إنه تصور خاصة بماليفيتش تراءى له فى ذلك الوقت كتطور للعلاقة الحميمية بين الوجدان الإنساني والفضاء الكوني فى عالم روحي تحكمه رؤية متطلعة تستدعي المستقبل ، الأبيض فى هذه اللوحة والسابقة لها يضع الموضوع في زمن وفضاء كوني .. يوحده ماليفيتش مع العالم الذي يتصوره موجود خلف السماء الزرقاء التي تُرى من الأرض … وفي كتالوج معرضه في ابريل عام 1919 والمسمي بـ ” الفن اللاموضوعي والسوبرماتية ” حيث عرضت أعماله البيضاء لأول مرة ، كتب ماليفيتش العبارات التالية مستعيناً ببعض الإستعارات التشبيهية :
” تحديت النسيج السماوي الملون وإخترقته ، ثم وضعت اللون داخل سرة من هذا النسيج وربطتها بإحكام شديد وقذفت بها بعيداً .. الأبيض هو الحرية ، اللانهائية ، اللامحدودية ، وسيظل .. باق أمامك “
…..
[
























أبيض على أبيض-1918. Oil on canvas, 79.4 x 79.4 cm
Museum of Modern Art, New York
.

تكوين سوبرماتى (1)- 1917-1918. oil on canvas
106×70.5 Amsterdam Stedelijk Museum,Holland
.

تكوين سوبرماتى (2)-1918.oil on canvas
97×70. Amsterdam Stedelijk Museum, Holland
.

صليب أبيض على الرمادي،1915-1920- oil on canvas
88x 68.5cm. Stedelijk Museum, Amsterdam
………

أماني علي فهمي - مصر
art_amany@hotmail.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
( 4 ) كازيمير ماليفيتش .. أبيضٌ على الأبيض
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الفنانين و النقاد العرب :: منتدى التصوير-
انتقل الى: