ملتقى الفنانين و النقاد العرب

ثقافة الصورة و بهاء الكلمة
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 جلال الدين الرومي يسبقنا إلى الفنون عبر النوعية بسبعمائة عام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 13
العمر : 45
Localisation : مصر
Emploi : مدرس بقسم الجرافيك ، كلية الفنون الجميلة ، القاهرة .
تاريخ التسجيل : 11/04/2007

مُساهمةموضوع: جلال الدين الرومي يسبقنا إلى الفنون عبر النوعية بسبعمائة عام   الخميس يناير 10, 2008 7:27 am

جلال الدين الرومي ... يسبقنا إلى الفنون عبر النوعية بسبعمائة عام !!!
[img][/img]


الراصد للحركة الثقافية بشكل عام على مستوى العالم و للمجالات الفنية بشكل خاص يكتشف أن هناك توجها عاما نحو دمج الفنون بعضها ببعض بتأثير كلا من مستحدثات الأطروحات النقدية ما بعد الحداثية و ثورة التقنية الاتصالية في آن معا ، فضلا عن توافر الأمثلة القبلية التي راهنت على نفس المبدأ ( التجربة المسرحية البولندية / المسرح التشكيلي ) على سبيل المثال لا الحصر .

و قد تواتر في السنوات القلائل الأخيرة مصطلح ( الفنون عبر النوعية ) على مستوى المشهد التشكيلي المصري ، خاصة في دوائر الفعاليات و العروض الشبابية ؛ كتعبير عن تنويعات لا حصر لها من النتاجات التي تتقاطع فيها سمات عدد من المجالات الفنية الأصلية كالرسم ، التصوير ، النحت ، الطبعة الفنية إلى جانب أعمال التجهيز في الفراغ و فنون الميديا ... الخ لإنتاج تفريعات لا نهائية من المصطلحات و التصنيفات التي تستعصي على الحصر فضلا عن التحليل و الدراسة .

و يبدو أن السمة الفارقة للحقبة المعيشة تفرض تناولا أقرب ما يكون إلى حال التسليم السلبي بالمستحدثات فائقة السرعة لمثل هذه الأعمال ؛ حيث يلاحظ غلبة مفهوم التوالي الأفقي على حساب مفهوم التريث بشأن التحليل و التمثل ، و هي ذاتها الإشكالية التي تتجلى في نسق معرفي آخر هو النسق الخاص بفضاء المعلومة التي أصبحت متاحة و متوافرة في كافة المجالات من خلال شبكة الإنترنت إلى الحد الذي أصبحت فيه مشكلة المشاكل بالنسبة للباحث ليست في غياب أو نقصان المادة و إنما في وفرتها و تكدسها إلى الحد الذي يستعصي معه – إن لم يكن يستحيل – إجراء مراجعة نقدية و منهجية بغرض فرز و مقارنة و تحليل المصادر للخروج بنتائج أقرب إلى روح المنهج العلمي .

هذه السيولة الشديدة في إمكانيات إجراء ( التباديل و التوافيق ) الفنية في النتاجات عبر النوعية أفرزت بدورها عددا من الظواهر التي أخذت في الاطراد على مستوى المشهد الفني المصري ؛ حيث أخذ المنحنى البياني يميل نحو المقاربات النقدية التي ترى في المجالات الفنية السابق ذكرها ( كالنحت ، التصوير ، ... الخ ) مجالات ( أصولية تقليدية ) لا تستدعي الحفاوة التنظيرية بقدر ما تستدعي وجوب التحريض على الثورة بشأنها و الخروج من إسارها ، و ذلك في مقابل الاحتفاء بالأعمال التي يبدو من سياقها الشكلي أنها ( تنحشر ) في طائفة النتاجات الوافدة من سديم العبقرية عبر النوعية .

و على الجانب الآخر يرى المنافحون عن زمام الهوية الشرقية أن هذه الظاهرة هي محض استيراد تآمري لتوجهات لا علاقة لخصوصيتنا الثقافية بها جملة و تفصيلا .

في هذا السياق المحتقن تبدو أهمية النبش في الذاكرة الفنية الشرقية ، ليتضح بجلاء أن معظم حلبات العراك المنصوبة بين الفريقين هي محض مزايدات على روح الفن ، فضلا عن كون بعضها تداعيات لصراعات على مستويات أخرى .

يتجلى ذلك من خلال حقيقة مؤداها أن الشرق كان سباقا إلى تبني مفهوم دمج الفنون بعضها ببعض و تذويب الفوارق الشكلية بين خصوصياتها على المستوى الاحترافي التقني ، للخلوص إلى ضرب من ضروب الفن ( الكوني ) الذي يستهدف في الأساس تكريس كل من المبدع و المتلقي للذوبان في حضرة القرب الإلهي و ذلك من خلال إحدى أهم الفلسفات الصوفية و أغناها و أشدها تعقيدا ؛ تلك التي أبدعتها قريحة العبقري الفذ " جلال الدين الرومي " .
[img][/img]


و " جلال الدين الرومي " المشهور باسم " مولانا " هو أحد أعمق و أخطر شعراء و متصوفي القرن الثالث عشر الميلادي . و قد اكتسب لقبه " الرومي " من خلال استقراره معظم سنين حياته في بلاد الروم ( تركيا الحالية ) و تحديدا في مدينة " قونية " التي تعتبر مزارا و متحفا عالميا يحوي رفاته و متعلقاته ، فضلا عن التكية الشهيرة التي تمثل واحدة من أهم ثلاث تكايا مولوية على مستوى العالم . أما لقبه " مولانا " – و الذي يعكس مدى تقدير أتباعه و مريديه له – فهو اللقب المسئول عن إطلاق اسم " المولوية " على طريقته في التصوف و الفن و كلقب لأتباعه من بعده .

و أهمية " جلال الدين الرومي " لا تكمن فقط في كونه أحد أعلام التصوف أو الشعر – و ذلك على الرغم من أن ديوانه الأشهر " المثنوي " و الذي يقع في حوالي عشرين ألف بيت من الشعر يمثل أحد أهم الأعمال الشعرية في تاريخ الأدب العالمي – و إنما تعود في الأساس إلى منهجه الفني و كذلك إلى نظريته في التسامح بين الأديان و نبذ الفرقة ، الأمر الذي يفسر الظاهرة الغريبة التي حدثت أثناء تشييع جثمانه ؛ حيث احتشد أهم رجال الفقه و الدين الإسلامي يقرؤون القرآن إلى جانب أهم رجال الدين المسيحي مرتلين للأناجيل ، يجاورهم أهم حاخامات اليهود مرتلين للتوراة ، فضلا عن آخرين من أتباع بقايا الديانات المحلية ، في مظاهرة حاشدة سبقت فكرة العولمة بأكثر من سبعة قرون .

و تبدو فرادة المنهج الفني لدى " جلال الدين الرومي " – و هي أيضا مكمن تفرده كمتصوف – في كونه قد رأى أن طريق الوصول إلى الحب الإلهي إنما يكمن في ممارسة الفن بمعناه الحقيقي !! و ذلك على العكس من معظم الطرق الصوفية التي ترى في إماتة و قمع الحواس الوجدانية و الجسدية طريقا للخلاص و الانعتاق .

و قد كانت قاعة " ممر 35 " بقطاع الفنون – و التي يشرف كاتب هذه السطور بالاشتراك في وضع سياستها الثقافية مع الفنانة د . " نجلاء سمير " - سباقة إلى طرح هذا المفهوم ؛ و ذلك حين خصصت احتفالية كاملة بتاريخ 16 أكتوبر الماضي بعنوان " تجليات الفكر الصوفي في الفن " تم خلالها عرض أحد أهم الأفلام العالمية التي تستلهم الفن المولوي من إبداع البروفيسور " شمس فريدلاندر " المحاضر بالجامعة الأمريكية و صاحب المؤلفات المتخصصة في الفن المولوي ، كما تم عزف عدد من المقطوعات الموسيقية المستلهمة من التراث الموسيقي المولوي للموسيقار د . " أحمد سامي " تبعتها محاضرة و لقاء مفتوح استمر لثلاث ساعات متصلة .

و من خلال تأمل النهج الفني للطريقة المولوية يتبين أن المعول الأساسي فيه يدور حول فكرة دمج الفنون في وحدة عرفانية متصلة ؛ فخلال الحضرة المولوية لا يقوم المريدون بتكرار ذكر اعتيادي و إنما ترى اتصالا بين الرقص الدائري الذي يحاكي فيه المولوي حركة الأفلاك السماوية حول الشمس بكيفية خاصة و إيقاع و تزامن شديد التعقيد و متراكب الدلالات . و خلال الرقص تأتي الموسيقى ، لا بوصفها حالة طربية و إنما كشريك في ضفيرة الحضرة الفنية من شأنه أن يحتضن جماع العمل و يمهد في ذات الوقت للتطور الذي يمر به الراقص / المريد / الفنان من حال إلى حال ، صعودا نحو انعتاق الروح . و بذلك تكون رقصة المولوية سباقة على فكرة ( البرفورمانس ) لا من حيث الزمن و حسب و إنما من حيث وعي " الرومي " و أتباعه أن جموع الراقصين خلالها يمارسون تشكيل الفراغ ثلاثي الأبعاد للتكية من خلال مخطط الدوران الذي يمثل الجسد الراقص خلاله وحدة تشكيلية صرفة .

و يأتي الذكر و إنشاد الشعر و الغناء ضمن المنظومة المولوية ( عبر النوعية ) لتأكيد الجانب المنطوق من فكرة الكلمة بوصفها تجسد طنيني لطاقة معرفية خالصة مستقرة في صميم الفلسفة العرفانية . كما يتجسد المعمار من خلال بناء التكية التي تتضمن العرض المولوي ؛ و التي تمثل أبعادها الفراغية تحققا ثلاثي الأبعاد لقياسات دقيقة شديدة الصرامة تترجم في بنيتها نظرية كاملة و رؤية عن علاقة المريد ( باعتبارها كونا أصغر ) بالكون الكبير و موازيه المادي في النظام الفلكي طبقا لنموذج " بطليموس " .
[img][/img]
و من أهم الأعمال الفنية التي تكشف بجلاء عن تلك العلاقة العضوية بين الإلهام الصوفي و الإبداع الفني تلك المنمنمة المحفوظة بمتحف " حيدر آباد " بالهند و المنفذة عام 1765 م و التي تبدو فيها جلسة بحثية طرفاها هما " أمير خسرو " و " نظام الدين عوليا " ؛ و كل منهما من أعلام زمانه ، أحدهما في الموسيقى و الثاني في التصوف و الشعر العرفاني ؛ حيث جلسا جلسة الند للند و قد رفع الموسيقي آلته لا ليعزف و إنما ليشرح أسرارها للصوفي الذي أحاطت رأسه هالة القديسين و قد أمسك بدوره ديوان الشعر .

هكذا كان " جلال الدين الرومي " و من لف لفه من أساتذة العرفان و أساطين الفكر الإشراقي سباقين دوما إلى اختراق آفاق سابقة لأزمانها و ملتحمة معها في آن واحد ..... هكذا كان " الرومي " سباقا إلى ابتداع ما نقف اليوم بإزاءه مشدوهين و متحزبين إلى فئات يسفه بعضها بعضا بين مؤيد و رافض ، بين مهلل للوافد الغربي و ملوح بنظرية المؤامرة ، متناسين أن في نسيج تراثنا الشرقي تكمن لآلئ العبر لكل من كان له حظ من بصيرة و بصر .

و يجدر التنويه أن كاتب هذه السطور مدعو لإلقاء ورقة بحثية خلال فعاليات المؤتمر الثقافي الموازي لاحتفالات تركيا بمئوية " جلال الدين الرومي " و التي ستشهد التقاء موسعا بين باحثين ، أكاديميين ، فنانين و متصوفين من مختلف بقاع العالم للاحتفال بالرجل الذي دعا العالم منذ أكثر من سبعمائة عام قائلا : ( تعال ... تعال ... تعال أيا من كنت ... فحتى لو أخطأت ألف مرة ثم رجعت فتعال ... تعال مرة أخرى ) .


د . ياسر منجي

_________________
عضو لجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة
عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://art-criticism.team-forum.net
 
جلال الدين الرومي يسبقنا إلى الفنون عبر النوعية بسبعمائة عام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الفنانين و النقاد العرب :: منتدى فنون الأداء-
انتقل الى: